كريم نجيب الأغر
475
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
--> - الإمام أحمد ح 58 ] . فالحقائق العلمية تشير إلى أن الحليب المخفّف - الذي لا يحتوي على كثير من الدسم ( والذي لا يسبب بالتالي التحريم ) - هو الذي يحرج في أول مصّتين لثدي الأمّ ، بينما يخرج الحليب المثقّل المغذّي - الذي يحتوي على كثير من الدسم ( والذي يسبب بالتالي التحريم ) - بعد ذلك من خلال عملية شفط قويّة تستوجب عدّة مصّات . والحديث الأول يشير إلى أن الحليب الذي يخرج بدون فتق الأمعاء في الثدي لا يحرّم ، وليس كافيا أن ينبت لحم الطفل وينشز عظمه ( كما يفيده الحديث الثاني ) ، وهذا الحليب - كما أشرنا إليه سابقا - لا يمكن أن يكون إلا الحليب الذي يخرج في أول مصّتين حسب المعطيات العلمية . ومن هنا نفهم أن المعطيات العلمية والحديثية والدلالات اللغوية تشير معا إلى أنه لا يجب علينا أن نعتبر أن المصّتين الأوليين للثدي هما بمثابة غذاء جيّد ، ووجبة كاملة للطفل ، وبالتالي فإن المصّتين هو اللفظ المقصود بالحديث الذي رواه مسلم ، وهذا ما نرجّحه ، واللّه تعالى أعلم . وتفصيل دلالة التخيير لكلمة « أو » في الحديث التي روته السيدة عائشة رضي اللّه عنها هو كالآتي : جاء في لسان العرب ، باب الهمزة : « أو : حرف عطف . وأو : تكون للشك والتخيير ، وتكون اختيارا » . وإذا اعتبرنا أن كلمة « أو » هي للتخيير ، فيكون المعنى : لا تحرّم المصة أو المصتان أو الوجبة ( الرضعة ) والوجبتان ( الرضعتان ) ، أي لا تحرم المصة أو المصتان كما لا تحرم الوجبة والوجبتان . فإذا سلّمنا بأن هناك فرقا بين كلمتي « مصّة » و « رضعة » ، بقي علينا أن نجيب على من ادعى أن الحديثين « لا تحرّم المصّة والمصّتان » [ أخرجه أحمد ح 60 ] و « أرضعيه خمس رضعات » [ أخرجه الإمام مالك ح 62 ] معارضان للآية القرآنية : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النساء : 23 ] . فالآية : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النساء : 23 ] تتكلّم عن النساء اللاتي تطعم أولادهن من لبنهنّ في الرضاعة التي تحرم ، ولا مانع أن يكون هناك قيد لهذه الظاهرة ، بمعنى : والنساء اللاتي ترضع أولادهنّ الرضاعة التي تحرم [ أي أن ترضع كما يتوجب ] . وأمّا التعارض بين الحديثين « أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها » و « لا تحرّم المصّة والمصّتان » فيزول عندما نفهم معنى كلّ من كلمتي « مصّة » و « رضعة » . فالمصّة هي جزء من الرضعة ، وبالتالي فإن الحديث الثاني يأتي مقيّدا للحديث الأول . وإذا عملنا على التأليف بينهما فهمنا أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أمر سهلة بأن ترضع سالما رضي اللّه عنهما خمس رضعات ، كلّ واحدة منها لا تقلّ عن مصّتين ( أو تستثنيان المصتين الأوليين ) ، بل كلّ واحدة منها لا تقل عن عدد كثير من المصّات ، لأن الطفل الجائع - كما أشار إليه الحديث : « انظرن من إخوانكنّ ، فإنّما الرّضاعة من المجاعة » [ أخرجه البخاري ح 55 ] - لا يشبع من خلال ثلاث مصّات ، ولا من أربع كما هو مألوف للجميع . وإذا أخذنا بدلالة كلمة « أو » : للتخيير ، فهمنا الحديث الذي روته عائشة رضي اللّه عنها على النحو التالي : لا تحرّم الرضعة والرضعتان [ ولا الثالثة ، ولا الرابعة ، بل من الخامسة كما يشير إليه الحديث الذي روته سهلة في سالم ] . فلعلّ تخصيص الرضعة والرضعتين كان لموافقة السؤال كما تقتضيه روايات الحديث ليس أكثر . جاء في شرح ابن ماجة للسندي للحديث رقم 1940 : « قوله : ( الرضعة ولا الرضعتان أو المصة إلخ ) . . . ولعل تخصيص المصة والمصتين لموافقة السؤال كما تقتضيه روايات الحديث فلا يدل على أن الثلاث محرمة عند القائل بالمفهوم » . -